حيدر حب الله

146

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

بل بعمل العقلاء بالأخبار سواء كانت في الموضوعات أم الأحكام ، فحتى قضايا التاريخ نجدهم يعتمدون فيها على خبر الثقة ويبنون عليها ويتحاجّون بها حتى لو يكن لها أيّ مردود عملي ، كأن تكون موضوعاً للحكم الشرعي ، فضلًا عمّا يكون موضوعاً لحكمٍ شرعي أو مفضياً إليه « 1 » . وهذا الدليل لا إشكال فيه ، فالسيرة العقلائيّة مستحكمة ، ولعلّ المانعين عن حجيّة الخبر في الموضوعات يقرّون بهذه السيرة ؛ ولكنّ المشكلة تكمن في ادّعاء وجود ردعٍ شرعيٍّ عنها ، كما يقول السيّد الخميني « 2 » ، وسوف نبحث في هذا الردع لدى استعراض أدلّة الفريق الثاني ، إن شاء الله تعالى . الدليل الثالث : ما ذكره السيّد الصدر ، من الاستناد إلى دليل السنّة على حجيّة خبر الثقة ، بتقريب أنّ الروايات الدالّة على حجيّة خبر الثقة لا تقوم بتأسيس حكم ، وإنّما بالإرشاد إلى حكمٍ موجود مسبقاً في الوعي العقلائي - كما سبق الحديث عنه مراراً في غير موضع - وبناءً عليه ، فإنّ هذه الروايات تتبع في دائرة الحجيّة التي تعطيها ما يحكم به الذهن العقلائي ، وحيث انعقدت السيرة على التعميم كانت هي بدورها دالّةً عليه أيضاً « 3 » . لكنّ هذا الدليل قابلٌ للتعليق عليه ؛ وذلك : أوّلًا : إنّه لا يزيد على دليل السيرة شيئاً ، فيتوقّف على بحث عدم الردع . نعم ، ينفع من حيث إحراز عدم الردع ، ومن ثمّ عدم تأثير احتمال الردع في المقام ، فيصلح اعتباره مكمّلًا ومتمّماً لدليل السيرة ومحصّناً له تجاه المناقشات الآتية .

--> ( 1 ) انظر : الروحاني ، المرتقى إلى الفقه الأرقى 2 : 199 ؛ والصدر ، بحوث في شرح العروة الوثقى 1 : 99 ؛ والخوئي ، مباني العروة والوثقى ، كتاب النكاح 2 : 241 ؛ والشيرازي ، القواعد الفقهيّة 2 : 90 . ( 2 ) انظر : كتاب الطهارة 4 : 269 . ( 3 ) الصدر ، بحوث في شرح العروة الوثقى 2 : 104 - 105 .